المساجد وضرورة العناية والتهوية: نظافة المكان وسموّ الإيمان

الشيخ أبو بكر أحمد، مفتي الهند الأعظم

٢ أغسطس ٢٠٢٥

إنّ المساجد هي أطهر بقاع الأرض، ومهابط السكينة، ومنازل النور، ومواطن الطمأنينة. فيها تُرفع الأكف إلى السماء، وتخشع القلوب لذكر الله، وتسكن الأرواح عند الوقوف بين يديه جلّ في علاه. ولأجل قدسية هذه الأماكن، اعتنى الإسلام بنظافتها وصيانتها، فجعل ذلك من تمام الإيمان، ومظهرًا من مظاهر التعظيم لبيوت الله تعالى.


وفي عصرنا الحاضر، ومع ما يشهده العالم من تحوّلات مناخية وارتفاع في درجات الحرارة، أصبحت معظم المساجد ـ ولا سيما في القرى والمدن ـ مزوّدة بأنظمة التكييف الحديثة، استجابةً لحاجة المصلين، وتيسيرًا لأداء العبادة في أجواء من الراحة والخشوع. وهذه لفتة محمودة، تدل على حرص المجتمعات المسلمة على تهيئة بيوت الله بما يليق بمكانتها ووظيفتها.


لكنّ الملاحَظ أن هذه الأنظمة، رغم أهميتها، قد تُسهم أحيانًا في إغلاق النوافذ بشكل دائم، حتى في الفترات التي لا يُستخدم فيها التكييف، مما يؤدي إلى ضعف التهوية، ونقص في نسبة الأوكسجين، وارتفاع مستوى ثاني أكسيد الكربون، وزيادة في الرطوبة. وهذه الأوضاع قد تتسبب في مضاعفات صحية، منها الحساسية، ومشكلات الجهاز التنفسي، ولا سيما لدى كبار السنّ وذوي المناعة الضعيفة.


لذا فإنّ من المهم أن نتنبّه إلى ضرورة التهوية السليمة للمساجد، وفتح النوافذ في الأوقات المناسبة، لا سيما عند اعتدال الطقس، ما لم يكن هنالك ما يمنع كدخول الغبار أو الحشرات. إنّ الهواء النقي، كما أن الضوء الطبيعي، يضفيان على المسجد روحًا من الصفاء والراحة، ويُعينان على الخشوع والسكينة.


كما يمكن ـ بل يُستحسن ـ أن تُدرس إمكانية استخدام أجهزة مراقبة جودة الهواء، أو أنظمة التهوية الذكية المتوفّرة في الأسواق، وذلك بعد استشارة أهل الخبرة والاختصاص، لتكون المساجد بيئة صحية آمنة، تجمع بين الطمأنينة الروحية والنظافة الجسدية.


وقد أولى الإسلام هذا الجانب عناية عظيمة، فجعل النظافة من الإيمان، واعتبر تنظيف المسجد قُربة عظيمة. وقد روى الصحابة عن رسول الله ﷺ أنّه افتقد امرأةً كانت تقوم على تنظيف المسجد، فلما علم أنها توفيت ولم يُخبروه، ذهب بنفسه إلى قبرها وصلّى عليها. وفي هذا دلالة على رفعة شأن من يخدم بيت الله، وعلوّ منزلة من يسعى في صيانته ونظافته.


قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، والمراد: التجمّل في الظاهر، والتحفّز في الباطن، والنظافة في الجسد والثياب، لأن المساجد بيوتٌ لله، والبيت يُعرف بأهله، فإذا كان عامرًا بالنقاء، دلّ على طهارة قلوب مرتاديه.


فلنجعل من مساجدنا منارات إشعاع حضاري، ومثالًا عمليًا على صفاء الإيمان ورقيّ الذوق، ولنجتهد في تعهدها بالعناية والنظافة والتهوية، فإن ذلك ـ بإذن الله ـ مدعاة لرفع الدرجات، ونيل البركات، وتطهير الأرواح.

كلمة المفتي

تعليقاتكم

المنشورات ذات الصلة

Loading