يتبلور جليّا لمن يقرأ سيرة الإمام أحمد بن حجر الهيتمي رحمه الله أنه قد انعقدت عليه خناصر الملأ، واقتدى به الأئمة، وأصبح موسوعة غنية للعلوم الإسلامية بين أعلام القرن العاشر، وصار إمام الحرمين، وإمام العلماء المحققين، ولسان الفقهاء المدققين، وكان من أحد الأئمة الأفاضل الذين لم يطعن فيهم أحد من العلماء المعتبر من عصره إلى الآن، ومصنفاته آية في عصره يخيب عن الإتيان بمثلها المعاصرون، وفتاويه غاية يتضعضع عن بلوغ مداها العالمون، وأبحاثه في المذهب كالطراز المذهّب، ومن يرد أن يحل معضلات المشاكل في مختلف العلوم والفنون لا يستطع أن يجلّيه إلا لديه، وهو الذي يبخل بمثله الزمان، فريد عصره، ووحيد دهره.
وله علاقة وثيقة ببلاد كيرالا، لأنها تشّرفت بزيارته، ومسلمو مليبار اعتنوا بكتبه اعتاناء بليغا، خاصة في الفقه الشافعيّ، لأنّ كتابه 'تحفة المحتاج بشرح المنهاج' له أهمية كبيرة عند علماء مليبار.
مولده ونشأته:
إنّ الإمام العلاّمة شهاب الدين أبا العبّاس أحمد بن بدر الدّين محمّد بن شمس الدين محمّد بن نور الدّين علي بن حجر السَّلَمنْتيّ أصلا، والهيتميّ مولدا، والأزهريّ مَرْبى ومنشأ، والصوفيّ إرشادا، والجنيديّ اتّباعا وانقيادا، والأشعريّ اعتقادا، والوائليّ السعديّ نسبا، والشافعيّ مذهبا، ولد -رحمه الله تعالى – بمحلّة أبى الهيتم بعد انتقال أهله عن بلدهم الأصليّة 'سَلَمَنت' سنة تسع وتسع مئة هجريّة في أواخر رجب. وتوفّي أبوه وهو صغير، فكفله جدّه المعمّر، وكان قد حفظ القرآن والمنهاج للإمام النووي، ثمّ لمّا مات جدّه كفله شيخا أبيه الإمامان شمس الدين ابن أبي الحمائل وشمس الدين الشنّاوي، وبالغا في تربيته.
طلبه للعلم :
نقله شيخه الشنّاوي من بلده محلّة أبي الهيتم إلى طنطا مقام الإمام السيد أحمد البدوي، فقرأ على عالمين، كانا به، من مبادئ العلوم. وفي سنة أربع وعشرين تسعمائة نقله الشنّاوي إلى جامع الأزهر وسلمه لرجل صالح من تلامذته، فأقرأه متن المنهاج وغيره، وجمعه بعلماء مصر مع صغر سنه، وقرأ هناك أيضا 'مختصر أبي شجاع' على شيخه أبى عبد الله محمّد الجوينيّ، واجتمع أيضا بالإمامين زين الدين عبد الحق السُّنباطى والإمام زكريا الأنصاري ومن في طبقتهما فقرأ عليهم في الحديث وفنونه، ثم بعد تحصيله الحديث على هؤلاء الأجلة اشتغل بالفقه ودراسات متونه، فبذل فيه جهده وفرّغ إليه وقته، وقرأ فيه على جماعة كناصر الطبلاوي وتاج العارفين أبى الحسن البكري، وقرأ أيضا في شتّى العلوم غير الفقه والحديث الأشياء الكثيرة على جماعة محقّقّين كالناصر اللَّقَّانيّ والشِّنشوْري وغيرهم من كبار الأئمة وأجلّهم الذين ذاع صيتهم في الآفاق.
وهكذا ما زال ابن حجر ينتقل في الأزهر الشريف من درس إلى درس، ويدور على شيوخه طالبا تحقيق العلوم، كل ذلك مع دقّة الفهم والملاحظة، حتى أجازه مشايخه بالإفتاء والتدريس والتأليف من غير سؤال منه لذلك سنة تسع وعشرين وتسعمئة وعمره دون العشرين.
عنايته بالتصنيف:
كانت له اليد الطولى في التصنيف، وبالخصوص في الفقه والحديث والسيرة والتاريخ، فامتازت مؤلفاته بالتدقيق والتّوثيق والإحكام والإتقان، ومن ثم اشتهرت تصانيفه بين الأئمّة والعلماء من أهل مذهب الإمام الشافعيّ وغيرهم ، وكلها تشفي غليل الطالب قديما وحديثا، كل ذلك بتوسّع واستيفاء وحسن التعبير والتحليل. ومن أجل مؤلفاته وأعظمها وأحسنها في هذه السمات على الإطلاق "تحفة المحتاج بشرح المنهاج" في الفقه الشافعي فإنها في دقّة العبارات، وحلاوة الإشارات، وبُعد الأعماق، ووفرة الأسرار، وزينة الأستار حتى بلغت مبلغا لم تصل إليه الأسفار، ولا تخفى أهمية التعرف على مؤلفاته، والإطلاع عليها خصوصا مؤلفاته الفقهية منها، فإنها كانت وما زالت عمدة المتأخّرين من الشافعية، كثيرا ما يعولون عليها ويصبرون فتاويهم على ما فيها، فكثرت كتبه المختصّة بالمذهب الشافعي لما له من تبحر في المذهب حتى احتفلت كتبه بالتحقيقات والتحريرات والتعقيبات لكثير من مسائل المذهب والخلافات بين المتقدمين والمتأخرين، مما ألجأ اللاحقين إلى اعتمادها والوقوف عندها.
وابتدأ تأليفه في سفره للحج أول مرة سنة ثلاث وثلاثين وخطر له أن يؤلف وتوقّف حتى رأى الحارث ابن أسد المحاسبي وهو يأمره بالتأليف فاستبشر وألّف، ورأى القاضى زكريا بعد وفاته وقد نزع عمامته وألبسه إياها، وقال: فعلمت أنّ اللّه يلحقني به.
آثاره في المذهب الشافعي:
لقد تبوّأ الشهاب ابن حجر مرتبة جليلة عند علماء الشافعيّة، سواء علماء عصره أو من بعده، إليه ترجع العويصات من الفتاوى، والمشكلات من المسائل طلبا لتحقيقها وتحرير الكلام عليها بسبب جهوده في المذهب، بحيث تحسن المقارنة والترجيح بينهم وبين غيره من فقهاء المذهب كالشيخين النووي والرافعي، ولا يخفى ما لهذا الجانب من فقهه من أثر كبير في المذهب، إذ كلامه وترجيحاته واختياراته محل اعتماد وقبول وتقديم عند المتأخرين من الشافعية، لا يساويه في ذلك إلا معاصره الإمام الشمس محمد الرّملى، ومن أشهر مصنفاته في الفقه الشافعي فتح الجواد، والإمداد في شرح الإرشاد، وشرح مختصر بافضل، والإيعاب في شرح العاباب، والفتاوى الكبرى.
عنايته بالحديث الشريف:
إن للشهاب ابن حجر عناية كبيرة بفن الحديث أيضا، وإنه كان من المحديثين الحافظين، فقد وصفه غير واحد ممن عاصروه وغيرهم "بالحافظ"، وكان الشيخ زكريا الأنصاري أيضا من الحفّاظ، وكان أوحد أهل زمانه بالأسانيد العالية، وقد أخذ عنه الهيتمي وعن غيره من المحدّثين والحفّاظ الأجلّة. ومن طالع مؤلّفاته في الحديث "إلصاق عوار الهوس بمن لم يفهم الاضطراب في حديث البسملة عن أنس" لا يكون له أدنى توقف في نبوغ الشيخ في علم الحديث وغاية إتقانه له، بل كان له الأجزاء والشروح الحديثية ومتعلقاتها ك'فتح المبين في شرح الأربعين' للإمام النووي و'أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل' و'فتح الإله بشرح المشكوة'.
عقيدته :
كان الشيخ من أساطين أهل السنة والجماعة، قامعا لأباطيل أهل الزيغ والأهواء كالمعتزلة والمجسمة، وشنع عليهم أشدَّ تشنيع، بل خص بالتأليف في الرد على بعضهم ككتابه "الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة" حيث يرد على من انحرف عن سبيل الحق، وقد صرح ابن حجر بنسبته إلى الأشعرية اعتقادا في آخر ثبته المسمى ب'الإجازة في علم الحديث'، وقال في كتابه 'الزواجر عن اقتراف الكبائر': "المراد بالسنة ما عليه إمام أهل السنة والجماعة الشيخ أبو الحسن الأشعري وأبو المنصور الماتريدي"، وصرح أيضا في كتاب آخر بأن من خالفهما فهو مبتدع.
ومذهب الأشاعرة في الاعتقاد هو ما كان عليه جماهير أئمة الإسلام وعلماؤه، إذ المنتسبون إليهم والسالكون طريقهم كانوا أئمة العلوم قاطبة على مر الأيام والسنين، وهم الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة كلهم يد واحد على رأي أهل السنّة والجماعة.
وفاته:
كان ابتداء مرضه الذي مات فيه في شهر رجب، فترك التدريس نيّفا وعشرين يوما، ووصى يوم السبت الحادي وعشرين، وتوفي في مكّة المكرمة ضحوة الاثنين الثالث والعشرين من نفس الشهر، سنة أربع وسبعين وتسعمئة، ودفن بالمُعلا بالقرب من مصلب عبد الله بن الزبير-رضي الله عنهما- وجعل عليه تابوت من خشب، نفع اللّه به وبعلومه في كل عصر ومصر.


.jpg.jpg)