الفصل الثاني
في واحدة من القرى المتناثرة على جبل صبر المطل على مدينة تعز، وبعد زواج دام أكثر من ثماني سنوات شعرت خديجة، الزوجة الريفية البسيطة، بآلام المخاض. كان حملها الرابع خلال سنوات زواجها من "قائد"، الزوج الطيب الذي ترك القرية ليعمل في محل خياطة في مدينة تعز، يعمل طوال شهور السنة، ويعود إلى قريته في العام مرتين أو ثلاثًا يطمئن على بنياته وزوجته وينال قسطًا من الراحة ثم يعود لعمله ووحدته.
كان قائد الثالث بين إخوته، يسبقه محمد الابن الأكبر واخته فتحيه، ويليه أخويه سيف ونذي.
تزوج قائد وعمره لا يتجاوز العشرين من فتاة بسيطة اختارتها له والدته. استقر معها في بيت والده، وعمل في بداية حياته مزارعًا بأرض والده، لكنه لم يتفق مع أخيه محمد الذي كان يَشعر ويُشعر الجميع أنه الوحيد الذي يملك الحق بإدارة الأرض كونه الأكبر، ووقف مع والده فيها منذ سن مبكر. بعد تدهور صحة الوالد أصبح هو الوحيد المخول بإدارة الأرض كيفما يشاء. سيف ونذير كان حظهما أفضل من حظ قائد بالتحاقهما بالمدرسة. بعد توتر العلاقة بين الأخوين ترك قائد الأرض لأخيه، و اشتغل عاملًا لدى الآخرين، يحرث أرضًا هنا ويزرع أرضًا هناك، وأحيانًا يشتغل في أعمال البناء بأجرة يومية، وحين ينعدم العمل يجمع الحطب ويبيعه حين لا يجد عملًا بالمرة. كان يكسب القليل لكنه يكفيه عناء ومشقة الشجار مع شقيقه محمد الذي امتدت سلطته للبيت بعد وفاة والدهم. لم يكتفِ بحرمان جميع إخوته من ميراث أبيهم بل اعتبر نفسه صاحب البيت والأرض وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة ولا حق لأحد في معارضته. وليكسب "قائد" راحة باله قرر ترك بيت العائلة والاستقرار مع أسرته الصغيرة في بيت منفصل، لكن في قرية صغيرة يبني الناس بيوتهم ليعيشوا فيها هم وأبناؤهم وأحفادهم. لم يكن إيجاد بيت للإيجار بالأمر الهين، كانت أغلب البيوت قديمة ومتهالكة، ومع ذلك استقر في واحد منها على أمل أن يراجع محمد نفسه ويسلمه أرضه التي ورثها من والده ليبني عليها بيتًا له ولزوجته وبناته. وعندما ضاق به الحال ترك زوجته وبناته وسافر للمدينة للبحث عن عمل دائم، هناك صادف عذابا من نوع آخر، فهو لا يحمل أي مؤهل دراسي، لا يملك غير ساعديه وخبرته الزراعية والتي لا تجدي نفعًا في مجتمع لا يزرع، عمل حمالًا لوقت ليس بالقصير. مرت شهور لا يرسل فلسًا لزوجته وابنتيه اللتين عُزّزتا بثالثة دون أن يأتي الولد، لكنه أخيرًا وجد عملًا في محل خياطة، تعلَّم أصول المهنة ليستقر فيها طوال السنوات اللاحقة.
لم يكن يغصه سوى خلفته التي تميزت كلها بالبنات، ليس لأنه لا يحبهن لكنه أصبح محل سخرية وتندر في مجتمع ريفي عتيق يرى أن البنت خلفة ناقصة لا يكملها ويداري عورتها سوى الأولاد. لم يعبأ بما يقال ولم يكن يغيظه سوى محمد الذي كان دومًا يتعمد أن يُذكَّره ساخرًا بخلفته، يعرض عليه متهكمًا أن يزوجه بأخرى لتنجب له الولد، ومع ذلك لم يكره "قائد" يومًا بناته، لكنه تمنى من أعماق قلبه أن يرزقه الله بالولد كي يكون سندًا له وعونًا لأخواته ووالدته. لذا، وبمجرد أن أعلمته زوجته بحملها الرابع التفت إلى بنياته الثلاث وتحرك لسانه دون إرادة منه بالجملة التي تتكرر في كل حمل "يا رب ولد".
انتظر شهورًا طويلة على أحرِّ من الجمر، وما أن أطلقت زوجته صرخات المخاض المتألمة حتى تعلَّق قلبه بين السماء والأرض، خوفًا عليها وانتظارًا لأمنيته أن تتحقق فيرفع عينيه بعيني أخيه بكل ثقة وقد أصبح أب الأولاد والبنات، مرت ساعات الليل طويلة، ومع أول إشراقة لشمس الصباح تعإلى صراخ طفل في الدار "ها بشِّري!" استقبل القابلة على الباب متلفهًا ودون أن ترفع بصرها نحوه أخبرته أن المولود أنثى.
"وليس الذكر كالأنثى".. ترددت بين جدران قلبه وهو يتهاوى على الأرض، ثم ما لبث أن تحامل على نفسه وتوجه إلى ابنته الجديدة ورفيقة عمره المنهكة، اعتذرت له بنظرات كسيرة، فطبع قبلة حانية بين عينيها وحمل الصغيرة بين يديه يردد الأذان في أذنيها ويقبل يديها الصغيرتين، "فاطمة.. سأسميها فاطمة على اسم والدتك رحمها الله."
تقافزت الدموع إلى عيني الأم سعادة بالاسم وبزوجها الطيب الراضي بقضاء الله وقدره.. وكان على "قائد" في الصباح أن يتحمل مباركة أخوه المتشفية "لا تقلق، ستجد لهن كلهن أزواج، فلا تنس أن خلفتي كلها أولاد"!
لم تكن المرة الأولى التي يلمح فيها أخوه محمد لهذا الأمر، فهو في كل مجلس يخبر الجميع أن بنات أخيه لن يكن إلا من نصيب أولاده، فالبنت لا تتزوج إلا ابن عمها، وإن كان كلامًا لا يؤخذ على محمل الجد لصغر الأولاد والبنات لكن في قرارة نفسه أدرك قائد أن محمدًا يعني كل ما يقوله، لم يجادله يومًا فلكل حادث حديث، ليقل ما يشاء وليفعل هو ما يريده.
بعد أن تعافت زوجته وأصبح بمقدورها الاعتناء بالبيت ودَّعها وودع بناته عائدًا إلى المدينة حيث مصدر رزقه. يقضي طوال النهار خلف ماكينة الخياطة، يعدل هذه ويخيط تلك لكن عقله معلَّق عند زوجته وبناته، لم يكن يرتاح لفكرة تركهن وحيدات دون وجود حماية لهن، أثناء عمله انغرست إبرة الخياطة في إبهامه فعصر الألم قلبه، كل واحدة منهن عنده أفضل من عشرة أولاد، لكنه يتمنى الولد في اليوم ألف مرة ليطمئن عليهن إن أصابه مكروه، فلا يجدن أنفسهن تحت رحمة عم أناني، أو خال لا يملك من الوقت أو حتى المال ما يكفي للاعتناء بهن.
ومع ذلك فوَّض أمره وأمرهن إلى الله، فهو خير حافظ وخير سند.
ورغم مشقة الأمر عليه ماديًا ومعنويًا ضاعف قائد من أوقات زياراته لبنياته، فلا ينقضي شهر إلا ويقضى منه عدة أيام معهن ليعود بعدها إلى عمله.


